محمد بن جرير الطبري
73
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أمة ، وللرجل المتعبد المطيع لله : أمة ، وللدين والملة : أمة . وكقولهم للجزاء والقصاص : دين ، وللسلطان والطاعة : دين ، وللتذلل : دين ، وللحساب : دين ؛ في أشباه لذلك كثيرة يطول الكتاب بإحصائها مما يكون من الكلام بلفظ واحد ، وهو مشتمل على معان كثيرة . وكذلك قول الله جل ثناؤه : " ألم والمر " ، و " المص " وما أشبه ذلك من حروف المعجم التي هي فواتح أوائل السور ، كل حرف منها دال على معان شتى ، شامل جميعها من أسماء الله عز وجل وصفاته ما قاله المفسرون من الأَقوال التي ذكرناها عنهم ؛ وهن مع ذلك فواتح السور كما قاله من قال ذلك . وليس كون ذلك من حروف أسماء الله جل ثناؤه وصفاته بمانعها أن تكون للسور فواتح ؛ لأَن الله جل ثناؤه قد افتتح كثيرا من سور القرآن بالحمد لنفسه والثناء عليها ، وكثيرا منها بتمجيدها وتعظيمها ، فغير مستحيل أن يبتدئ بعض ذلك بالقسم بها . فالتي ابتدئ أوائلها بحروف المعجم أحد معاني أوائلها أنهن فواتح ما افتتح بهن من سور القرآن ، وهن مما أقسم بهن ؛ لأَن أحد معانيهن أنهن من حروف أسماء الله تعالى ذكره وصفاته على ما قدمنا البيان عنها ، ولا شك في صحة معنى القسم بالله وأسمائه وصفاته ، وهن من حروف حساب الجمل ، وهن للسور التي افتتحت بهن شعار وأسماء . فذلك يحوي معاني جميع ما وصفنا مما بينا من وجوهه ، لأَن الله جل ثناؤه لو أراد بذلك أو بشيء منه الدلالة على معنى واحد مما يحتمله ذلك دون سائر المعاني غيره ، لأَبان ذلك لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إبانة غير مشكلة ، إذ كان جل ثناؤه إنما أنزل كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم ليبين لهم ما اختلفوا فيه . وفي تركه صلى الله عليه وسلم إبانة ذلك أنه مراد به من وجوه تأويله البعض دون البعض أوضح الدليل على أنه مراد به جميع وجوهه التي هو لها محتمل ، إذ لم يكن مستحيلا في العقل وجه منها أن يكون من تأويله ومعناه كما كان غير مستحيل اجتماع المعاني الكثيرة للكلمة الواحدة باللفظ الواحد في كلام واحد . ومن أبى ما قلناه في ذلك سئل الفرق بين ذلك وبين سائر الحروف التي تأتي بلفظ واحد مع اشتمالها على المعاني الكثيرة المختلفة كالأَمة والدين وما أشبه ذلك من الأَسماء والأَفعال . فلن يقول في أحد ذلك قولا إلا الزم في الأَخر مثله . وكذلك يسأل كل من تأول شيئا من ذلك على وجه دون الأَوجه الأَخر التي وصفنا عن البرهان على دعواه من الوجه الذي يجب التسليم له ثم يعارض بقوله يخالفه في ذلك ، ويسأل الفرق بينه وبينه : من أصل ، أو مما يدل عليه أصل ، فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الأَخر مثله . وأما الذي زعم من النحويين أن ذلك نظير " بل " في قول المنشد شعرا : بل . . . ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا وأنه لا معنى له ، وإنما هو زيادة في الكلام معناه الطرح ؛ فإنه أخطأ من وجوه شتى : أحدها : أنه وصف الله تعالى ذكره بأنه خاطب العرب بغير ما هو من لغتها وغير ما هو في لغة أحد من الآدميين ، إذ كانت العرب وإن كانت قد كانت تفتتح أوائل إنشادها ما أنشدت من الشعر ب " بل " ، فإنه معلوم منها أنها لم تكن تبتدئ شيئا من الكلام ب " ألم " و " الر " و " المص " بمعنى ابتدائها ذلك ب " بل " . وإذ كان ذلك ليس من ابتدائها ، وكان الله جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم من القرآن بما يعرفون من لغاتهم ويستعملون بينهم من منطقهم في جميع آية ، فلا شك أن سبيل ما وصفنا من حروف المعجم التي افتتحت بها أوائل السور التي هن لها فواتح سبيل سائر القرآن في أنه لم يعدل بها عن لغاتهم التي كانوا بها عارفين ولها بينهم في منطقهم مستعملين ؛ لأَن ذلك لو كان معدولا به عن سبيل لغاتهم ومنطقهم كان خارجا عن معنى